اخر عشرة مواضيع :         زينب ردّت امن الشام - يالكافل تلكَاها / فزّاعيّه (اخر رد : احمد ابو طبيخ - عددالردود : 0 - عددالزوار : 10 )           »          ما اريد الماي اشوفه ابعيني / لشهادة الامام السجاد عليه السلام (اخر رد : احمد ابو طبيخ - عددالردود : 0 - عددالزوار : 20 )           »          قصيدة لشهادة السيدة رقية عليها السلام / آنه بنت النبي (اخر رد : احمد ابو طبيخ - عددالردود : 0 - عددالزوار : 13 )           »          قصيدة الليلة التاسعة (اخر رد : احمد ابو طبيخ - عددالردود : 0 - عددالزوار : 40 )           »          قصيدة الليلة الثامنة (اخر رد : احمد ابو طبيخ - عددالردود : 0 - عددالزوار : 33 )           »          قصيدة الليلة السابعة (اخر رد : احمد ابو طبيخ - عددالردود : 0 - عددالزوار : 36 )           »          قصيدة الليلة السادسة (اخر رد : احمد ابو طبيخ - عددالردود : 0 - عددالزوار : 29 )           »          قصيدة الليلة الخامسة (اخر رد : احمد ابو طبيخ - عددالردود : 0 - عددالزوار : 31 )           »          قصيدة الليلة الرابعة (اخر رد : احمد ابو طبيخ - عددالردود : 0 - عددالزوار : 32 )           »          قصيدة الليلة الثالثة (اخر رد : احمد ابو طبيخ - عددالردود : 0 - عددالزوار : 29 )           »         
 

 
 
العودة   زبدة الكلام > قسم النقد والدراسات بأشراف الدكتور هاشم نعمة الفريجي > النقد والدراسات
   

رد
 
أدوات الموضوع أنماط العرض
 
 
 
  #1  
قديم 16/10/13, 02 :09 02:09:27 AM
دكتور هاشم الفريجي دكتور هاشم الفريجي غير متواجد حالياً
مشرف وناقد
 





المجاراة وإقحام الفصيح في الأبوذية



المجاراة وإقحام الفصيح في الأبوذية *

ليس كل من نظم الابوذية شاعرا


لقد أكثر الشعراء الشعبيون الذين يجيدون القراءة والتي سهلت لهم الإطلاع على كتب الأدب العربي والشعر منه بشكل خاص من مجاراة الفصيح لما فيه من بلاغة وبيان وصور رائعة وقفوا هم قبل غيرهم على روعتها. وقد مر بنا ان عددا من الشعراء أجادوا في صياغة أبياتهم وهم يجارون أبياتا مشهورة من الفصيح فيأخذ الشاعر كلمة من البيت تعجبه فيجعلها جناسا لبيته ويحاول ان يولد منها ثلاثة جناسات. وقد يوفق العارفون ماذا يعني الجناس في صياغة ما يريدون فيبنون لنا أبياتا رائعة، في حين يفشل بعضهم في جناساتهم رغم أنهم ينقلون صورة البيت الفصيح بكافة تفاصيله او يزيدون عليه. وذلك لان البيت الفصيح هو صدر وعجز بينما الإبوذية بأربعة أشطر، لذلك يكون عند شاعر الإبوذية فسحة في إضافة ما يريده من معان قبل التطرق إلى معنى الفصيح. وقد تكون تلك الإضافة جميلة وساحرة عند البعض او رديئة بلا فائدة عند آخرين.
وللشعراء أساليبهم الخاصة في المجاراة وهي التي تميز الشاعر المقتدر الذي يصوغ جناساته من الفصيح بدقة وعذوبة وينقل لنا صورا خلابة تأخذ بالألباب من الشاعر الذي يحشر جناساته حشرا بين أشطر البيت فتأتي ناقصة او مشوهة. وفي استعراضنا لعدد من هذه الأبيات سوف نناقش جناساتها وأساليب الشعراء في نقل معاني البيت الفصيح.
وكمثال على ذلك نستعرض أبيات الشعراء الذين جارَوْا هذا البيت الفصيح:
الْى المَاءِ يَسْعَى مَن يَغُصُّ بِلُقْمَةٍ
الْى أيَنَ يَسْعَى مَن يَغُصُّ بِمَاءِ
فيجاريه الشاعر عبد السادة الگصاد فيقول:
إمْيَنِّح مَا شلَه بِالْدَّمِع بَلْمَاي
وَلا عِنْدِي رِفِيْج إشْتَرَك بَلْمَاي
الزَّاد الْبِيْه أغِص يِنْدِفِع بِلْمَاي
إمْنَ أغِص بِالْمَاي گلِّي إشْلَوْن بِيَّه
فالشاعر يصور دمعه الذي يفيض بسبب حزنه وألمه وكأنه نهر او هور غزير الماء حتى ان (بَلَمَهُ) قاربه (بَلْمَايْ) كأنه (مُجَنِّح) لسرعته ولم (يِشْلَهْ) أي لم يتوقف بسبب اصطدامه بالطين لضحالة الماء. وتلاحظ ان (بَلْمَايْ) فيها ألف زائدة لان الأصل فيها (بَلْمِيْ). و(بَلْمَايْ) الثانية هي بألمي الذي لم يشاركه فيه أحد من أصدقائه، وفيها ألف زائدة أيضا. وكل ذلك من أجل الجناس الأخير الذي هو بيت القصيد وهو (بَلْمَايْ) أي بالماء وهو الجناس الوحيد الذي يطابق اللفظ. غير ان الجناسين الباقيين قريبان جدا من معنييهما، ولا بأس بهما إذ يمكن اعتبار جناسه مفردا ناقصا.
وجاراه الشاعر كاظم آل منظور فقال:
عَليِْل الشَّوْگ دَائَه إيْصِيْر بِچْـلاه
سَقِيْم اوْنَاظِر الْعِشَّاگ بِچْلاه
يِسْعَى الى الْمَاءِ الْيِغِص بِچْـلاه
وَنَا بِالْمَاي أغِص وِشْلَوْن بِيَّه
وخير الشعراء من يستغل الشطرين الأولين لإضفاء صورة تكمل صورة الفصيح وتقويها وكلما كانت الأشطر مرتبطة بنفس الموضوع كان بناء البيت امتن ومعناه أفضل. والجناس الأول يعني مصابا بكليتيه، لان الناس في العامية يجمعون كل مثنى من أعضاء الجسم, فيقولون: إعيوني واذاني ورجليَّه ودَيَّه ولا يثنونها. فشرح الشاعر ان عليل الشوق يكون داؤه في كليتيه. وما يهمنا من هذا البيت هو الجناس الثاني الذي يقول فيه ان (ناظر العشاق) قد بكى له (سَقِيْم اوْنَاظِر الْعِشَّاك بِچلاهْ)، واقنع الشاعر نفسه ان (بِچلاهْ) مكونة من مقطعين هما (بِچى الَهْ) بكي له. فهل ان (بِچْ) في العامية تعني (بِچىْ) أي بَكَى وهل ان أحدا يقولها او يقول (لاه) وهو يريد (الَهْ) أي لَهُ.
ان تصرف الشاعر في الجناس بهذا الشكل أخل ببناء بيته وأخرج جناسه من معناه. إضافة إلى إيراده كلمات فصيحة (يِسْعَى إلى الْمَاءِ) في الشطر الثالث ثم أتبعها بكلمة عامية ثقيلة (الْيِغِص بِچلاهْ) جعلت الشطر كله ثقيلا على السمع وخارجا على الوزن ولو قال (صَوْب الْمَاي يِسْعَى الْيِغِص بِچلاهْ) لكان أفضل. كما جاء الجناس الثالث (بِچلاهْ) في ألف زائدة، ومعناه بأكله.
وقارن بينه وبين الشاعر عبد الأمير الطويرجاوي الذي جارى نفس البيت حيث يقول:
وَحَگ مِن طَاف حَوْل الْبَيْت يَسْــعَه
إلْفَضَى مَا بَعَد لِلْدَلال يَسْـعَه
إلْيِغِص ابْلِگْمِتَه لَلْمَاي يَسْـعَه
وَنَا بِالْمَاي أغِص وِشْلَوْن بِيَّه
والشاعر يقسم بمن حج بيت الله الحرام وسعى (يَسْــعَهْ) بين الصفا والمروة بان الفضاء قد ضاق بما في قلبه (لِلْدَلالْ). وهو لا يجد حلا لمشكلته فيورد المثل الذي استعارَه من القريض ليضربَه مثلا لحاله. أي انه في مشكلة ليس لها حل. والشاعر هنا يذكر ما يبرر ذكر المثل او الحكمة التي تضمنها الفصيح. والبيت ينسب أيضا للشاعر الحاج هادي الميرزه الحلي مع اختلاف بسيط في أشطره الأخيرة.
يقول الشاعر الحسن بن أبي حصينة:
وَلَمَّا إعْتَنَقْنَا لِلْوَداعِ وَقَلْبُهَا
وَقلبي يفيضانِ الصبابةَ وَالوَجدا
بَكَت لُؤْلُؤَاً رَطْبَاً فَفَاضَت مَدَامِعِي
عَقِيْقَاً فَصَارَ الكُلُّ فِي نَحْرِها عِقْدَا
والشاعر عبد الرحمن البناء هنا يولد هذا البيت منه فيقول:
وِگفْنَا لِلْوَداع إو هَب عَجيْجاي
إوْسِويَّه ادْموعْنَا صَبَّت عَجيْجاي
بِچَت لِيلُو اوْبِچيْت آنَا عَجيْجاي
إوْعِقِد صَار ابْنَحَرْهَا الْكِل سِويِّه
نرى ان الشاعر تمكن من مجاراة البيت الثاني كله في الشطر الثالث والرباط من بيت الإبوذية أما الشطران الأول والثاني فقد استغلهما الشاعر ليجعل مسرح الوداع أشد تأثيرا ورومانسية على سامعيه.. وربما كانت بداية الشطر الأول (اعْتِنَگْنا) بدلا من (وِگفْنَا). فأضاف للمشهد في الشطرين الأولين ريحا عاصفا على وجه الحقيقة، او على وجه المجاز وهو تلك العواصف الجياشة من العواطف التي عصفت بكيان الحبيبين في لحظات الوداع المؤلم. ففي حين سالت دموع الحبيبة ماء صافيا يشبه بجماله وصفائه اللؤلؤ، كان الشاعران أكثر ألما وأشد حزنا فجرت دموعُهُمَا دما صافيا غير مشوب كأنها بصفائها العقيق وهو كما نعرف جوهر احمر. فامتزجت دموع الحبيبة المكونة من الماء فقط وهو يشبه اللؤلؤ، بدموع الشاعر التي كانت تجري دما وكأنها العقيق، لتكونا عقدا من اللؤلؤ والعقيق. فاكتملت الصورة لدى الشاعرين فيما أرادا نقله لنا من صور الوداع.
وإلى هنا نودع ابن أبي حصينة ونعود إلى شاعر الإبوذية فنقول: ان جناس البيت مولد من كلمة (عقيق) التي وردت في بيت القريض. فلما أراد الشاعر استعمالها في البيت وجد أنها لا تناسب القافية، ولا يمكن ان ينسج منها جناسين آخرين. فحاول إضافة حروف أخرى يمكن بواسطتها صياغة ثلاثة جناسات وطبعا من ضمنها العقيق. فصاغ كلمة (عقيقاي) أي أضاف ألفا وياء إلى نهاية الكلمة، وفي كثير من الجناس يضاف ألف قبل ياء الجناس الأصلية والتي كثيرا ما تكون ياء المتكلم كما بينا في القافية المذالة سابقا مثل (جَرْحِيْ- جَرْحَايْ) و (گلْبِيْ- گلْبَايْ). ولكن إضافة هذين الحرفين إلى (عقيق) وقلب (قافه) (جيما) أخرجاه من معناه الأصلي فليس لدينا في العامي كلمة (عَجِيْجَايْ) تعني (عقيق او عجيج)، هذا إضافة إلى ان الجناس الأول المقصود منه (العَجَاج) وكلمة (عَجِيْجَايْ) بعيدة عن العجاج.
والمشكلة قائمة في كل الجناسات إلا إنها تمثل مشكلة في الجناس الثاني، فمسار البيت الشعبي والقريض قبله يشير إلى ان الدموع سالت حتى وصلت النحر (أسفل الرقبة) وهو موضع العِقد عند المرأة، فماذا يقصد الشاعر بكلمة (عجيجاي) في: (اوْسِوِيّه ادْمُوْعنَا صَبَّت عَجِيْجَايْ), هل يقصد بقوله (على جيجي) أي صبت على جؤجؤي، وهو عظم الصدر عند الطيور ويستعيره هنا، أي ان الدموع وصلت إلى جؤجؤ كل منهما أي إلى صدره, أم ان الكلمة لها معنى آخر. وكما تلاحظ ان جناسات الشاعر كانت بعيدة عن المعاني التي وضعها لها إضافة إلى كونها ثقيلة على اللسان.
وارى انْ لا داعي لإقحام مثل هذا الجناس والإيغال في التعميةِ، فاللهجة العامية غنية بالكلمات التي تصلح ان يستخرج منها الشاعر جناساته دون ان يعرض بيته للطعن تحت ذريعة الإبداع.
وقبل الانتقال إلى شعراء آخرين جارَوا نفس البيت وبكوا لؤلؤا وعقيقا، نعرج على الشاعر حسين الكربلائي الذي يتحدث عن (العجاج) بطريقة أخرى بعد ان جارى أحد البيتين الفصيحين التاليين:
تُحَطِّمُنَا الأيَّامُ حَتّى كَأنْنَّا
زُجَاجٌ وَلكن لا يُعَادُ لَهُ سَبْكُ
او
إنَّ القلوبَ إذا تَنَافَرَ وِدُّهَا
مِثْلُ الزُّجاجةِ صَدْعُهَا لا يُجْبَرُ
فيقول:
ذِلُوْلِي مَا يِجِد السَّيْر ظَلْعَاي
إنْتَحَوْا عَنِّي إو مَد البَصَر ظَلْعَاي
مِثِل كَسْرِ الزِّجَاج إنْكِسَر ضِلْعَاي
أبَد مَا يِرْهَم التَّجْبِيْر بِيَّه
وهو يصف بعيره (ذِلُوْلِيْ) الذي (ظَل عَايْ) بقي عَيِيْا من (الاعياء) وهو التعب والارهاق, أو انه ربما يضلع أي يعرج. وفي الشطر الثاني يصف ظعن الأحبة الذين ابتعدوا عنه وعلى مد البصر (ظَل عَايْ). فكلمة (ظل) تعني بقي و(عَايْ) يريد بها الشاعر (عَاج) بعد ان قلب جيمها ياء ويقصد منها (عَج) بدون ألف وهو أخيرا يعني (العجاج)، فتصور ادوار الاستحالة التي مرت بها الكلمة قبل ان تصل إلى أصلها الصحيح وصعوبة الوصول إلى ما يريده الشاعر من جناسه.
ولكن انظر معي إلى بيت الشاعر الحاج مرهون الصفار حيث يقول:
إصْبَرِت حَتَّى الْصَّبُر يَا صَاح عَيَّه
إسْكَتِت ظَنَّوْا الْسَانِي الْحَاد عَيَّه
أخَاف أحْچِي وَخَاف إتْگُوْم عَيَّه
إو تِوِج الْوَادِم ابْنَارِي الْسِّرِيَّه
فقد صبر الشاعر حتى تعب (عَيَّ) الصبر من صبره. وفي الشطر الثاني سكت عن البوح بأسراره ومعاناته فظن الناس ان لسانَه (عَيَّ) أي صار عييا أي لا يجيد الحديث بشكل واضح وهو ضد الفصيح. وفي الشطر الثالث يُبيّن انه لو أراد الكلام لأثار أمورا عظيمة كما يثير هبوب (عَيَّه) التراب وغيرَه مما يشغل الناس ويؤذيهم، وهي استعارة لما يجيش في نفسه من أمور يخشى الاعلان عنها. ولذلك هو صابر وساكت رغم ما يقال عنه.
ونلاحظ هنا ان كلمة (عَيَّه) هي عجَّة كما نقولها في لهجتنا العامية دون زيادة او نقصان، عدا عن قلب جيمها ياء وهو أمر واضح للجميع. فمن العراقيين من يقولها عجَّة ومنهم من يقولها عيَّة. وقارن بينها وبين كلمة (عجيجاي) وكلمة (ظلعاي) في البيتين السابقين لتدرك الفرق. فمرهون الصفار لم يجار أحدا من شعراء الفصيح، وقد أتى بمفردات عامية واضحة على عكس الشاعرين السابقين اللذين اضطرا إلى صياغة جناساتهما من كلمات فصيحة وبعضها بعيد عن المفردات العامية.
ونعود إلى أبيات ابن أبي حصينة، الذي جاراه عدد من الشعراء نذكر منهم:
ناجي الكركوكلي الذي يقول:
بَمَان الله تَرِف يَدْعَي وَداعِيك
أبِث الدَمِع وَجْد الصَّب وَداعِيـك
بِچَت لِيلُو رَطِب لَيْلَى وَداعِيك عَقِيْقْ، أعْلَه النَّحِر صَفَّن سِويَّه
فصاغ جناسه من كلمة (الوداع) التي تضمنها الفصيح أيضا. وأضاف لها كاف المخاطبة فأصبحت (وداعك) وهي مناسبة وزنا للجناس، لكن الشاعر عدّل فيها عندما وجد انه لا يمكن صياغة جناساته منها مباشرة فأضاف لها ياء قبل الكاف فصارت (وداعيك). فجناسه الأول (وداعيك) بعيد عن كلمة (ودَاعَك) التي يريدها الشاعر. وهو ينادي حبيبته بكلمة (تَرِفْ) بدون ياء النداء، وهو المنادى الأول، في حين ينادي الثاني (يَدْعَيْ) ويقصد (يا أدعج) بياء النداء في (يَدْعَيْ). والأفضل ان يساوي بينهما ما داما متجاورين. وجناسه الثاني (ادَاعِيْك) من المداعاة بالشيء المطالبة به. والثالث (دَاعِيْكْ) يقصد نفسه، وكما نعرف ان العراقي يقولها عن نفسه عادة في حالة الفخر والاعتزاز، وليس في حالة الحزن والألم كما هنا.
وفي الشطر الثالث يتحدث عن ليلى، فمع من كان يتحدث في الشطرين الأولين وهو يودعه بقوله (بمان الله) ويصب الدمع من أجله ويخاطبه (تَرِف يَدْعَيْ)، والمفروض انه يخاطب الشخص نفسه ولم يلتفت إلى شخص آخر، لان معنى البيت سوف يتخلخل. وكان يكفيه ان يقول: (بِچَيْت انْتَه رَطِب لِيْلُو وَدَاعِيْكْ) وبذلك يعود ضمير المخاطب على الشخص المودَّع في البداية، ولا داعي لذكر ليلى في الشطر الثالث.
ثم لم يبين لنا في الرَّبّاط في أي نَحْر صار الدمع عقدا وانما اكْتَفَى بقوله: (عَقِيْقْ، أعْلَه النَّحِر صَفَّن سِويَّه), بينما يقول الفصيح فَصَارَ الكُلُّ فِي نَحْرَِها عِقْدَا. كل هذا الاضطراب بسبب ان الشاعر حاول إقحام المعنى وأخذ الجناس من بيت فصيح.
وفي بداية الشطر الثاني يقول (أبث الدَمِعْ) والدمع لا يُبَث إنما يُبْكى ويُسَال ويَسْري، ولكن الحزن والشكوى هو الذي يبث.
فما حاجتُنا إلى مثل هذا البيت الذي لا ينقل الصورة ولا يفي بالمعنى الذي صاغه الفصيح. ان الشاعر المُجيد هو من يأتي بشيء اضافي يُحسِّن او يُضِيْف صورا أخرى للبيت الذي يختاره.
وجاراه إبراهيم الأمين:
إفْراگك صَعِب يَا مَدْلوْل وَصْفَه
إوْدمْعِي إمْنِ الْوَجِد دَيْفيْض وَصْفَه
بِچَت لِيلُوْ، عَقِيْق ابْچيْت وَصْفَه
الْكِل عِقْدِ ابْنَحَرْهًا إو سِطَع ضَيَّه
ففي شطره الأول يقول ان الفراق صعب (وَصْفُهُ)، وفي الشطر الثالث والرباط: بكت لؤلؤا وهو بكى عقيقا (وَصْفَه) أي وَصْفَى أصبح او صار عقدا في نحرها.
بقي الشطر الثاني، فما هو معنى الجناس فيه: اوْدمْعِي امْنِ الْوَجِد دَيْفيْض وَصْفَه، فكلمة (وَصْفُه) تعني وأكثر صَفَاء وهي اسم تفضيل، ولابُّد من وجود شيئين للمفاضلة بينهما، فإذا كان يريد (أصفى من دمعي) التي ذكرها في بداية الشطر، فليس لها معنى لأنه لم يقارن بدمعه شيئا آخر حتى يقول ان دمعي أصفى منه. ولو قال مثلا (اوْدمْعِي مِن عَقِيْق ايْفيْض وَصْفَه) لكان المعنى الذي يقصده واضحا. ولكنه ربما يقصد وأصفى من (الليلو) الذي يذكره في الشطر الثالث وهو دمع الحبيبة ولا معنى له أيضا فدمعه أحمر من دمٍ، ودمعُها أبيض من ماءٍ. وهنا يقوم بذكر الصفة قبل الموصوف ويسبقها بواو العطف، وهذا أحد الحلول لإنقاذ جناسه. ولكن هذا غير جائز في اللهجة العامية ولا في الفصحى أيضا، فَمَن مِنّا يقول: (وَاصْفَى بِچَيْت دَمْ)، وهو يقصد (بِچيْت دَم واصْفَى منه). أما الحل الثاني فربما انه أراد (أصِفُه) انه يَصِف دمعَه الذي يفيض من عقيق، وهنا يكرر معنى الجناس الأول الذي هو أيضا (وصف). فالجناسان يتحدثان عن الوصف وبذلك يقال للبيت انه (جايس).
ولاحظ أننا نفاجأ في كل مرة بتغيير من نوع مختلف في استعمال المفردات. فرغم ان الشاعر أتى بجناسات صحيحة إلا انه وقع في خطأ تركيب الجملة. وكل هذا ليخبرنا بموضوع مضى عليه الزمن وَوَصَفَه الفصيح بأحلى ما يكون. ولو أردنا تحليل كل الأبيات بهذا الإسلوب لاحتجنا إلى كتب عديدة، ولكن ضرب الأمثال بهذه الأبيات وغيرها يفتح آفاق المستقبل أمام من يريد إكمال البحث فيسلط قلمه على الكثير منها ليبينَ ما يشاء مما لا يتوافق مع شروط الجناس او أصول الكلام وفنون البلاغة.
وقبل ان أودع الشعراء الذين حاولوا مجاراة هذا البيت من الفصيح انتقل إلى بيت عبد الجبار وصفي الذي يقول فيه:
إبْنَوَى دَمْعِي اوْدَمِعْهَا فَاض وَجْــرَه
إو عَلَى جَمْرِ الصَّبَابَه زَاد وَجْــرَه
بِچانَه دِر عَقِيْق الْكِل وَجْـرَه
عِقِد صَار ابْنَحَرْهَا ايْضِيء الْيَّه
وقد كنى عن حَر الفراق بجمر الصبابة، وهو من قول الشاعر علي بن معصوم:
نأيتم فَلا حرُّ الفِراقِ مُفارِقٌ فؤادي ولا جمرُ الصَبابة بائخُ
وجعل دموعهما أحر منه، وجناسه الأول (جَرَىْ) والثاني (وَجْرُهُ) سعيره، أما الثالث فيقصد به (وَجَرّاء) ذلك أي ان الضمير في (وَجْرَهْ) وهو حرف الهاء يعود على حال الفراق او حال الدمع. وهذا أيضا إيغال في تعمية المعنى، فان (وَجْرَ) لوحدها لا تعني (وجَرّاء) إضافة إلى ان المفردة فصيحة ولا تستعمل في العامية. وكان الأفضل ان لا يشوهها الشاعر مثلما يفعل مع المفردات العامية, فاستعمال الفصيح في الشعبي يفضل ان ينحصر في نقل الكلمات كما هي دون تغيير حتى لا تفقد معناها. كما ان الشاعر يقول في الشطر الثالث انه وحبيبه بكيا (دُر عَقِيْقْ)، ولم يُفَصِّـل أيا منهما بكى درا او عقيقا كما فعل أقرانه من قبل. وربما كان بكاء كل منهما مزيجا من الدر والعقيق. وهنا ندخل في موضوع آخر وهو عدم نقل المعنى الحقيقي لبيت الفصيح حتى لو كانت جناسات البيت غير مأخوذة منه.
ومن الأبيات في المجاراة بيت للشاعر عبد الصاحب عبيد الحلي الذي جارى فيه الوأواء الدمشقي الذي جمع خمسة تشبيهات بليغة في بيت واحد:
وَاسْتَرْجَعَت سَأَلَت عَنِّي فَقِيلَ لَهَا
مَا فِيهِ مِن رَمَقٍ دَقَّت يَداً بِيَدِ
وَأَمْطَرَت لُؤْلُؤأً مِن نَرْجِسٍ وَسَقَت

وَرْداً وَعَضَّت عَلَى العُنَّابِ بِالبَرَدِ
فقال الحلي مجاريا:
ضُمَت رُوْحِي اوْتَبِي تِطْلَع وَرِدْهَا
إبْوِنِيْنِي اوْمِن دَمِع عَيْنِي وِرِدْهَا
إمْطَرَت مِن نَرْجِسِن لِيْلُو وَرِدْهَا
إسْگتَه اوْعَضَّت إشْفَاهَا إبَّرَد هِيَّه
فذكر أربعة منها هي النرجس واللؤلؤ والورد والبَرَد. ولم يشبّه شفتيها بالعنّاب وكان يمكنه ذلك لو قال (او عَضَّت بِالْبَرَد عِنّاب هِيَّهْ) او (ابَّرَد عَضَّت عَلَى الْعِنّاب هِيَّهْ)، لأنه كان بإمكانه الاستغناء عن (اسْگِتَهْ) التي جاءت في بداية الشطر الثالث. وكذلك لم يسبق مجاراته في الشطرين الأخيرين بمعنى يمهِّد لهما في الشطرين الأولين مثلما فعل شاعر القريض حين جعل بكاءَها بسبب سقامه، فَدَقَّت يدا بيد أسفا وألَمَا عليه ثم بكت بعد ذلك. وفي حين كانت هي الباكية في القريض، كان الشاعر هو الباكي في الإبوذية. فجاء الشطران الأولان منقطعين عن الشطرين الأخيرين، وهو خلل بَيِّن في تركيبة البيت. وكان الأوْلَى به ان يتّبع خطى الفصيح، حتى لَيُخَيَّل للقارئ في الشطر الثالث انّ الشاعر كان هو الباكي وليست الحبيبة، لأنه كان يتحدث عن روحه وعينه وبكائه في الشطرين الأولين. ورغم انقطاع الشطرين الأولين عن الأخيرين إلا انهما وَصَفا عطش روحه وَصْفاً جميلا، فهي تريد أن تخرج من جسده لشدة ظمئها ويردّها (وَرِدْهَا) أي يعيدها إليه. ثم يوردها (وَرِدْهَا) من دموعه كما يقول في الشطر الثاني. وعطش روحه عطش معنوي، أي هو شوق للحبيب وإيرادها من الدموع استعارة لتهدأتها وتخفيف لوعتها ببكائه. وفي هذا المثال كان نقاشنا مُنْصَبّا على احتواء المعنى وإتمام المجاراة التي لم يوفق فيها الشاعر توفيقا تاما وهذا مأخذ بلاغي قبل ان يكون مأخذا لفظيا أو تركيبيا كما كان في أمثلتنا السابقة. فمهمّة الشاعر هي الاهتمام بصياغة الفكرة ونقلها مثلما هي او بأحسن منها. وهذا ما تحدثنا عنه من ان الشاعر الذي يجاري الفصيح يجعل نفسه تحت طائلة المساءلة والمقارنة، بينما لا يتعرض شاعر المطلق لمثل ذلك أبدا لكونه يأتي بشيء جديد وربما غير مسبوق. وقد جاء جناس البيت ناقصا بسبب اختلاف حركة حرف الراء في الشطر الثاني.
وفي ديوانه المطبوع في مطبعة دار الحرية سنة 1968 يقول عبد الصاحب عبيد الحلي مجاريا للبيت التالي:
نِذْرٌ عَلَيّ لإن عَادُوْا وَإن رَجَعُوْا لأملأنَّ طَرِيْقَ الطَّفِّ رَيْحَانَا
فيقول:
هِمِت يُوْم إرْحَلَوْا وَاجْفَوْا وَرَدَّو
أحْبَاب الْمَاسَلَوْا عَنِّي وَرَدَّو
عَلَي نِذْرن لَوَن ْرِجْعَوْا وَرَدَّو
طَرِيْق الْطَف أزِرْعَه ابْنَرْجِسِيَّه
فجناسه الأول (وَرَ دَّوْ) هو (وَرَى الدَّوْ) أي خلف الصحراء وهي مفردة فصيحة، ويقول في الشطر الثاني (احْبَاب الْمَاسَلَوْا عَنِّي وَرَدَّوْ) أحبابي الذين لم (يَسْلُوْنِيْ) و (أرادوني) كما يشرحها في الديوان. وفيها ملاحظتان:
الأولى ان الذي يقرأ او يسمع عبارة (مَاسَلَوْا عَنِّيْ) يتبادر لذهنه أنهم (ما سَألَوا عَنِّيْ) لأنها أقرب للمعنى وأصوب في الاستعمال. فالفعل (سَلَى) في العامية لا يتعدّى بالحرف (عَن) وانما نقول (سَلَونِي وسَلَوْنَا وسَلَيْنَاهُمْ) أي نسوني ونسونا ونسيناهم بدون الحرف عن. وكذلك لا نقول (بِعْدُوْنَا وبَعَدْنَاهُمْ) وانما نُعَدّي الفعل بواسطة (عن)، فنقول (بَعْدَوا عَنِّا وبَعَدْنَا عَنْهُمْ). هكذا هي قواعد اللهجة وأصول التحدث بها.
والملاحظة الثانية هي ان الجناس في الشطر الثاني (وَرَدَّوْ) لا يعني (وَراَدَوْ) كما هو واضح، إذ لا يمكن ان تكون كلمة (وَرَدَّوْ) بمعنى (وأرادوا) لان فيها حرف (الدال مشدد) كما إنها تفتقر إلى (حرف الألف). بينما تعني (وَرَدَّوْ) في الجناس الأخير كلمة (ورجعوا) تماما، فاستعمل الشاعر الجناسين الأخيرين وهما بنفس اللفظ العامي المعروف في معنيين مختلفين أحدهما صحيح وهو رجعوا والثاني غير صحيح وهو أرادوا. واستعمل الشاعر الصفة مكان الموصوف حين قال (أزِرْعَه ابْنَرْجِسِيَّه) أي بورود نرجسية. والشاعر لو لم يجار بيت الفصيح لم تكن تتعرض كلماته وإسلوبه لمثل هذه التحويرات في طريقة لفظ المفردات والتعامل معها. وأرى إنها أضرت ببيت الشاعر ولم تكن له بل كانت عليه لكونه غير مجبر على مثل هذه المجاراة.
وكمثال على كيفية استعمال كلمة السلوان يقول الشاعر:
عَلِيْمَن يِهِل دَمْعِي مَاسَلُوْنِي
عَلَى الْلِي بِالِمْنَازَع مَاسَلُوْنِي
تَعال اوْشُوْف حَالِي مَاسَلُوْنِي
أنَازِع بَالَّذِي شَحَّوْا عَلَيَّه
فالشاعر (لم يسألوه) لماذا يَهِل دمعُه (مَا سَلُوْنِيْ)، فهو يبكي على من لم يَسلوه (مَا سَلُوْنِيْ) وهم في نزاع الموت الذي ينسى فيه الإنسان أهله وأحباءَه. ولم يُعَدِّ الشاعر الفعل بالحرف (عن) كما فعل الذي قبله. وهي طريقَتُنا التي نستعملها في التعبير اليومي. ولكنه في الجناس الثالث يريد ان يقول (ما أسوء لوني) فيعتبر الجناس مكونا من مقطعين هما (مَاسَ لُوْنِيْ)، وكما ترى فان (مَاسَ) لا يعني (ما أسوء). وتلاحظ كم هي جميلة عبارات وصور الشاعر في بيته الذي لم يجار فيه أحدا. وإسلوبه حكيم في بيان سبب بكائه فقد بدا بالتساؤل وانتهى بالرد على تساؤله بنفسه ليبين عظم الموضوع. ويقول الشاعر الوأواء الدمشقي:
هُم يَحْسُدُوني عَلَى مَوْتِي فَوا أَسَفِي حَتَّى عَلَى المَوْتِ لا أَخْلو مِنَ الحَسَدِ
ويجاريه الشاعر محمود الخطاب:
الوَاشِي الْلِي عَلَي دُوْمَاً يِوِسْـفَاه
عَسَنَّه ابْحَال يَعْگوْبَك يَوَسْفَاه
يِحِسْدُوْنِي عَلَى مُوْتِي يَوَسْفَاه
مَخْلَه إمْنِ الْحَسَد حَتَّى الْمِنِيَّه
وجناسه الأول (يِوِس فَاهْ) يوسوس فمُه بصوت خفي، وهو يريد النميمة. والوسوسة ليست النميمة ولا تصدر من الفم. فالشيطان يوسوس في صدور الناس. لان الوسوسة معناها الإيحاء. والواشي من وجهة نظر الشاعر شيطان فهو يوسوس ولكن بفمه.
وفي الشطر الثاني يدعو عليه فيقول عَسَاه ان يُصْبِح بنفس حال (يَعْگُوْبَك يَوَسْفَاهْ). وهو يخاطب نبي الله (يوسف) عليه السلام فيقول (يَوَسْفَاهْ) وأصله (يَا وَسْفَاهْ) بياء النداء فيكون (وَسْفَاهْ) هو يوسف كما يعتقد الشاعر. والشاعر لم يجد لجناسه حلا غير حشر اسم نبي الله يوسف وأبيه يعقوب عليهما السلام في بيته من أجل توليد جناساته، فَذَكَرَه بهذه الكلمة (وَسْفَاهْ) فأين اسم يوسف من (وَسْفَاهْ). ثم ما علاقة النبيين الكريمين في الموضوع، وعلى افتراض ان الجناس صحيح، فماذا يعني الشاعر حين يدعو بهذه الطريقة التي يخاطب بها نبي الله يوسف ويقول له:عسى هذا الواشي ان يكون حالُه (كحال يعقوبك يا يوسف)، وهو يَنْسِب يعقوب إلى يوسف بدلا مِن ان يَنْسِب يوسف إلى يعقوب. فهل يريد لهذا الواشي ان يكون صبورا ولا يَيْاس من (رَوْحِ الله) بعد فقد وَلَدِهِ، كما كان حال يعقوب عليه السلام. وكيف جزاه الله تعالى على حزنِه وصبره وجَمَع له أولاده ورَفَعَه ابنه يوسف على العرش وقال (هذا تأويل رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ قَد جَعَلَهَا رَبِّي حَقَا).
ان مثل هذا الدعاء يتمناه كل إنسان لأنه دعاء بالخير. ومَن ذَا الذي يَطْمَع يوما ان يكون حالُه ومآلُه ومكانتُه كمكانة يعقوب عليه السلام حين ابتلاه ربُه وجزاه خير الجزاء. فالمثل الذي يُضْرَب بنبي الله يعقوب عليه السلام هو الصبر الجميل لقولِه (فَصَبْرٌ جَمِيْلٌ وَاللهُ المُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُوْن). فلذلك يقول الشاعر الشعبي متأسيا بنبي الله:
لحْزَن حِزِن يَعْگوب وصْبِر صَبُر أيُّوْبْ
بتقليد هذه الصفة التي اشتُهِر بها كل منهما عليهما السلام، وهي من الصفات العظيمة. وفي هذا البيت نلاحظ خروج الشاعر ليس على المفردات فقط بل حتى على المفاهيم ودقة الاستنتاج والتراكيب الفنية والبلاغية التي هي أهم ما يميز الشعر عن غيره من الكلام.
ويبدو أن يوسف عليه السلام ابتلي بتشويه اسمه من قبل شعراء الإبوذية، كما ابتلي بتشويه سمعته من قبل نساء الفراعنة، فهذا هو الشاعر أبو معيشي يذكره باسم غريب آخر في مساجلة زليخة:
إحْتَزْمُوْا لِلْهَوَىْ ابُّنْدُقْ وَيَاْسَاْفْ
إوْخَلُّوْا كِلْ شَخِصْ يِصْفِچْ وَيَاْسَاْفْ
إدِرْسُوْا عَمْلَةِ ازْلَيْخَةْ وَيَاْسَاْفْ
إنْسَجَنْ ونْطَرْ قَمِيْصَهْ اوْشَاْفْ اذِيَّهْ
فيسمي يوسف (يَاسَاف) في الشطر الثالث، فيقلب واو يوسف إلى ألف ثم يضيف ألفا أخرى للجناس. ويقول (إدِرْسُوْا عَمْلَةِ ازْلَيْخَةْ وَيَاسَاف). و(العَمْلَة) في العامي تعني هنا المكيدة. والشاعر ينسبها إلى زليخة ويوسف سوية. وهي في الحقيقة (عملة زليخة بيوسف) كما نعلم. والأفضل أن يقول (إدِرْسُوْا عَمْلَةِ ازْلَيْخَةْ بيَاسَاف)، لأن يوسف بريء منها. وفي الشطر الأول يوصيهم بأن يتحزموا لأمر الهوى والغرام بالبنادق. وجناسه مكون من مقطعين هما (وَيَا) ويقصد بها (وَيَاه) أي معاه، و(سَاف) ويقصد بها سيف، فيقلب ياء سيف إلى ألف. وفي الشطر الثالث يقول اتركوا كل شخص يصفق يديه عجبا ويأسف (وَيَاسَاف) لذلك الأمر الذي حل بيوسف عليه السلام. كما يقول في رباط البيت (إنْسَجَنْ ونْطَرْ قَمِيْصَهْ اوْشَاْفْ اذِيَّهْ)، فيذكر السجن أولا ثم قَدَّ القميص. وهو معاكس لمجرى الأحداث حيث قُدَّ قميصُه اولا ثم سُجنَ بعد ذلك. والبيت غير موزون، إذ جاءت التفعيلات الأولى للأشطر الثلاثة على (مفعولاتن)، بينما جاءت التفعيلة الأولى للرباط على (فاعلاتن).
والشاعر كاظم السلامي ربما يجاري بيت إبراهيم عبد القادر المازني:
فَلَوْلا رَحِيْمٌ لَم أَجِد غَيْرَ صَوْتِهِ لَقَد ظَلَّ هذا القَدّ ُقَيْدَ عَيَانِي
حين يقول:
حَي فَالَك يَحِلْوِ الْطُوْل ولْقَد
إوْحَالِي اوْيَاك حَالِ إيْسِيْر وَلْقَـد
گُرْبَت سَاعِتِي يَا تَرِف وَلْقَـد
حَانِ الْحِيْن مَن بَلْوَاكِ الْيَّه
فالشاعر الذي يستعمل الكلمات الفصيحة في جناساته يفضل ان يأتي بها فصيحة ولا يعاملها كما يعامل الكلمات في اللهجة العامية، فيحذف منها ويضيف إليها بشكل يشوهها ويخرجها من معانيها الأصلية. فالمعاني الجميلة والصور المبتدعة للشاعر ضاعت في جناسات غير تامة فالأولى (ولْقَدْ) وهي فصيحة تعني الطول أما الثانية فيقصد الشاعر (القَيْدَ) والثالثة (ولْقَدْ) أيضا يقصد بها (ولَقَدْ). فكلمة (ولْقَدْ) التي حُذِفَت ياؤها ليست (القَيْدَ)، فلا هي مفردة عامية يستعمُلها الناس في لهجتِهِم اليومية، ولا هي بقيت على أصلها الفصيح ليُفهم معناها. وكذلك (ولْقَدْ) في الشطر الثالث ليست (وَلَقَدْ). وينطبق عليها ما ينطبق على سابقتها فليس لدينا مفردة عامية بهذا اللفظ ولا بهذا المعنى، ولا هي مفردة فصيحة فنجد للشاعر عذرا في استعمالها في جناسه. ومن حقنا ان نتساءل عن مثل هذه المفردات ومسوغات استعمالها في أبيات الإبوذية رغم ان أحدا منا لم يقل ولم يسمع في العامية (شِفْت الحَرَامِي وِالْـقَـدْ بِدِيْهْ) ولا (وِلْـقَـد إجَا وَكْت الْصَّلاة). فكان الشاعر أسير قيد قافيته قبل ان يكون أسير قيد حبيبه. ويذكرني هذا البيت ببيت آخر جناسه فصيح أيضا، ومولد من قول محمد سعيد الحبوبي:
فَاسْقِنِي كَاسَاً وَخُذ كَاسَاً الْيِك
فَلَذِيْذُ الْعَيْشِ أَن نَشْتَرِكَا
وَإذا جُدْتَ بها مِن شَفَتَيْك
فَاسْقِيْنِهَا وَخُذِ الأولى لَكَا
وهو قول الشاعر الشعبي:
إخْدُوْدَك مِن شُعَاع اَلشَّمِس قَدْحَن
عَجَب گَلْبَك عَلَيَّه الْيَوْم قَدْحَن
إسْقِيْنِي قَدَح وَانَا اَسْقِيْق قَدْحَن
لِذيْذ الْعَيْش نِتْقَاسَم سِوِيَّه
ولما كان كل ما في البيت الفصيح متعلقا بكأس يسقيها الحبيب فلابد ان يكون بيت الإبوذية مشتملا عليه كذلك ولا أحلى من ان يأتي اسم الكأس في جناسه. ولما لم يجد شاعرنا جناسين آخرين لكلمة (كأسا) عدل عنها وأتى بنظيرها وهو (قدحاً)، رغم ان هناك مَن يفرق بينهما فالكأس هي المترعة بالشراب والقدح هي الفارغة. وبذلك جارى البيت وأخذ معناه لكنَّه لم يولد بيته منه باعتبار التوليد هو إدخال كلمة من بيت الفصيح لتكون جناسا للإبوذية. واستبدل كأسا بكلمة (قدَحاً) الفصيحة أيضا بعد ان أسكن دالها واستبدل تنوينها بحرف النون فأصبحت (قدْحَنْ) وصاغ منها جناساته.
وبدلا من تضمين البيت الثاني في الفصيح في بيت الإبوذية وهو رائع، إنصرف شاعرنا لاستغلال الشطرين الأولين في وصف الحبيب وكيف قَدَّحَت خدودُه من شعاع الشمس. ثم يعجب من قلبه الذي (قَد حَنَّ) عليه هذا اليوم، قبل ان ينقل لنا صورة الفصيح ويذكر تبادل الأقداح فيها. وقد نجح في صورِه الجميلة وجناساته التامة. لكن الشطر الثالث جاء غير موزون وتفعيلاته: (مفعولات مفعولاتن فَعُوْلُنْ) وهي ليست تفعيلات بحر الوافر، وذلك لزيادة كلمة (وانا) في الشطر ولا أعلم ان كان كذلك في الأصل أم النقل, فلو قال: (اسْقِيْنِي قَدَح وَاسْقِيْك قَدْحَنْ) لاستقام وزنه.
وهكذا أشغل الشاعر فكره واستطاع مجاراة البيت بجناسات جميلة دون الاضطرار إلى أخذها من البيت نفسه وعدم تقيده بقيودها التي تقتل شاعريته وإبداعه. ويقول أبو العتاهية:
عَريتُ مِنَ الشَبابِ وَكانَ غَضّاً فَيا لَيتَ الشَبابَ يَعودُ يَوماً
كَما يَعرى مِنَ الوَرَقِ القَضيبُ فَأُخبِرُهُ بِما صَنَعَ المَشيبُ
وبجناس مأخوذ من يوما يجاريه الشاعر حمدي فهمي البغدادي فيقول:
وَحَگ مِن فِي كِتَابِ الله يَوْمَن
شِبِت وِسْيوْف دَهْرِي عَلَي يَوْمَن
اَيَا لَيْتَ اَلشَّبَاب إيْعُوْد يَوْمَن
وَاخِبْرَه اَعْلَى الْمَشِيْب إشْعِمَل بِيَّه
ويروى البيت أيضا للشاعر عبد الكريم العلاف مع تغيير في الشطرين الأولين. وانظر إلى براعة الشاعر وتمكنه، وكيف استطاع ان يحوي معنى الفصيح ويضيف إليه أمورا يعاني منها بسبب الشيب ويحتاج فيها إلى من يعينه فلا يجد غير ان يتمنى عودة ذلك الشباب ليشكو له ما فعل به المشيب. وجاءت جناسات الشاعر مفردة تامة، فالأول (يؤمِن) من الإيمان والثاني (يُشِرْنَ) للسهام، والثالث (يوماً).
وهذه الجناسات الرائعة والواضحة هي ما يجعلنا نوجِه أصابع الاتهام لغيرها ونصفُها بأنها ناقصة وان بالإمكان ان يأتيَ الشعراء بأفضل منها لو أنهم اعملوا فيها سيوف الرأي وشحذوا أقلام البلاغة. وقد ضَمَّن الشاعر شطر بيت الفصيح في شطره الثالث والرباط. وقال قاسم بن محمد الكستي:
لَقَد لامَني أَهْلُ الْهَوْى عَن جَهَالةٍ
فَقُلْتُ لَهُم وَالصِّدْقُ خَيْرُ مَقَاَلٍة
تَرَكْتُ حَبيبَ القلبِ لا عن ملالَةٍ
بَتْرِكْي لِمَن أَهْوَاه بعَد إسْتِمالةٍ
وَلَكِن جَنَي ذَنبْاً يَؤول الى الترك
فجاراه الشاعر الشعبي بقوله:
لُمَى النَّإهْي دِوَه الْعِلْتِي تَرَكْتَه
إوْتِشَإبْهَ لُوْنَ خْدَّيَنَه تَرَكْتَه
لا عَن مَلَل مَحْبُوْبِي تَرَكْتَه
جِنَى ذَنْبِ الْيِؤُوْل الْتَرِك لِيَّه
فان (تَرَكْتَهْ) الأولى تعني كمية من الدواء تعطى للمريض والثانية يقصد بها (تَرْكِيْتَه) وهي (تَرْجِيته) أي أقراطه التي في أذنه. أي انَّ لون خدِّه كالذهب مثل لون قرطهِ. والثالثة هي التي يبحث عنها الشاعر ليجاري بها الفصيح. ونحن نلاحظ بُعْد الجناس عن المفردة الشعبية رغم إجادة الشاعر للمعنى وإيفائه بحق البيت.
وقارن بينه وبين قول الشاعر حسين الكربلائي الذي جارى الفصيح:
وَلَو لَم يَمَس الأرْضَ فاضلُ ثَوْبِهَا لَمَا جَازَ لِلناسِ التيَممُ بالتّربِ
فقال:
يَسَلْمَى إمْتَيِّمِچ بِهْوَاچ طَرْفَـاه
بِچَت وِالْلِّي سَعَى ابْفَرْگَاچ طَرْفَــاه
لَوْمَا الْگَاع ثَوْبِچ تَمِس طَرْفَــاه
التَيَمُم بِالأرِض مَا جَاز الْيَّه
ولاحظ كيف أتت الجناسات فصيحة صحيحة تامةً، فالأول (طَرْفَاهْ) عيناه وهو مدور مع أول كلمة من الشطر الثاني (بِجَتْ)، والثاني (طَرَّ فَاهُ) شَق فَمَهُ، والثالث (طَرْفَاهْ) طرفا الثوب. وفيه تقديم وتأخير، ويقصد: (لوما تمس الگاع طرفي ثوبچ). ويقول شاعر الفصحى:
يَا ضَيْفَنَا لَو زُرْتَنَا لَوَجَدْتَنَا
نَحْنُ الضِّيْوَفُ وَأنْتَ رُبُّ المَنْزِلِ
ويقول شاعر الإبوذية
نَفُوْس الْنَا عَلَى الْعَلْيَا تَجِدْنا
إوْنَارِ الْحَرُب لَو شبّت تَجِدْنا
يَضَيْفِ إجْبل عَلَىَ حَينَا تَجِدْنا
الضِّيُوْف إحْنَا وِنِت رَب الحِنِيَّه
فكلمة (ايجدّيه) العامية تعني يقوده إلى الجادة، وكذلك نفوس قومه الذين يفخر بهم تقودهم نحو العُلا. كما أنهم شجعان فمتى شبَّت نار الحرب وهنا يعني اشتدادها لأنها تأكل الناس كما تأكل النار الحطب، فإنها ستوقِدُهُم (تَجِدْنا) حماسا فلا يفرون منها وبذلك جعل الشاعر وصف قومه بعلو الهمة والشجاعة مدخلا ليكمل صورة الرجل العربي الشجاع والكريم، فربط شطري بيته الأولين بما جارى به الفصيح. فذكره كاملا في الشطرين الأخيرين من الإبوذية وجاءت جناساته مستوحاة من الفعل (وجد) المذكور في الشطر الأول من الفصيح (وجدتنا). والأول والثالث صحيحان إلا ان الثاني ويقصد به الشاعر توقدنا بعيد عن المعنى . كما انه ذكر (الحِنِيَّهْ) وهي بيت الضيوف عند القرويين ولم يذكر (المنزل) الذي ذكره الشاعر في القريض وذلك أقرب لواقع الشاعر وأكثر قبولا في بيئته التي قال فيها بيته.
وبالإضافة إلى ما ذكرناه من إقحام الجناس فان بعض الشعراء لا يلتزمون بقواعد اللهجة العامية التي تعودَتْها سليقتهم حين يقعون تحت ضغط الجناس وما يتطلبه الوزن. يقول شاعر الفصيح:
يَا مَلِيْحَ الْلُّمَى وَحُلْوَ التَّـثَـنِّي
وَغَزَالاً جَمَالُهُ قَد فَتَنِّي
أدَلالاً هَجَرْتَني أم مَلالاً
أم صُدُوداً أم قَسْوَةً أم تَجَنِّي
ففي مجاراة الشاعر لهذا البيت نلاحظ:
لَيَالْي الْوَصِل چَا يَمْتَه تَجنِّي
سَقيْم اوْمِن تِصِد عَنِّي تَجَنّي
دَلال إهْجَرِت لَو هَجْرَك تَجَنِّي
تَگِلِّي ابْيَا ذَنِب مِحْرِب عَلَيَّه
ذكرنا ان كثيرا من شعراء الإبوذية يستغلون الشطرين الأولين لإضافة شيء من خيالهم ملائما لبيت الفصيح عند مجاراته، وكذلك فعل هذا الشاعر فخاطب في شطره الأول ليالي الوصل التي كان متمتعا فيها بلقاء الحبيب وهو يسألُهُن متى يأتينَ إليه (تَجنِّي). وهو في الحقيقة يخاطبُهُنّ مجازا عن خطابه لحبيبه. فهو يدعو حبيبه ان يعود لوصاله لذاك قال بعدها (سَقيْم اوْمِن تِصِد عَنِّي تَجَنّيِ)، أي ان حبيبه إذا صد عنه فسيؤدي إلى جنونه شوقا ولهفة. وقد مرَّ بنا تحليل جناسه في باب الجناس المركب التام اللفظي. وقد انتقل الشاعر من خطاب جمع الإناث (ليالي الوصل) إلى خطاب المفرد في الشطر الثاني الذي ذكر ضميره المستتر في الفعل (تِصِدْ) و(تَجَنّي) أيضا. والمفروض ان يعود هذا الضمير على اسم ظاهر قبله، إذ لا يمكن ان يعود على الليالي في الشطر الذي سبقه لاختلاف المخاطب في الشطرين. ويبدو انه حاول ان يقول في الشطر الأول: (حَبِيْب الْكَلُب جَا يَمْتَه تِجِنِّيْ) وهو ما يناسب تماما الشطر الثاني، لكنه أدرك ان (تِجَنِّيْ) لا تصلح لخطاب المفرد إذا كان يقصد بها (تجيني) فأعرض عنها وفضّل ان يخاطب جمعا مؤنثا ليلائم بين المخاطب والجناس. ولو كان خطابه للغائب لكان أفضل من خطابه للحاضر، إذ لا معنى للحديث مع الليالي وطلب الوصال منها على وجه المجاز في حين يقف الحبيب أمام عينيه وهو يقول له ما قاله في الأشطر الثلاثة الأخيرة.
ولا أظن ان هذا من باب (الإلتفات) كما يسمى في البديع، لان الشاعر لم يلتفت من غائب إلى مخاطب. كما انه لم يذكر إلا اثنتين من أسباب الهجر الأربعة التي ذكرها الفصيح. وهذا الإبوذية جميل ومؤثر وعندما نذكر نقاط ضعفه فالغاية ان ننبِهَ انه بالإمكان ان يأتي الشاعر بشيء أفضل لو لم يقيد نفسه بقيود الجناس التي جارى فيها القريض.
وإذا كان الضمير الذي تحدثنا عنه مستترا في بيت الشاعر السابق وربما يخفى على بعضنا، فان الشاعر عبد الأمير الطويرجاوي أورد ضميرا ظاهرا للمفرد المذكر ليجعله ضميرا عائدا على لفظ مؤنث في بيته الذي جارى به بيت احمد شوقي:
نَظْرَة فَابْتِسَامَة فَسَلام
فَكَلام فَمَوْعِد فَلِقَاء
فيقول:
إلَك يَدْعَي يَشَهْل الْعَيْن وَيَّاه
عَظِيْم اوْجَد الْك لِلْگَلُب وَيَّاه
نَظْرَه وِبْتِسَامَه اوْبَعَد وَيَّاه
كَلام اوْمَوْعِد اوْمَلْگَه سِوِيَّه
وجناسه الأول مكون من مقطعين هما (وَي يَاهْ)، فكلمة (وَيْ) هي أداة تعجب او كلمة تقال عند المفاجأة. وكلمة (ياه) وتعني جاه بعد قلب الجيم ياء. فالشاعر يُعجَب من جاه حبيبه في الشطر الأول. ثم يقول في الشطر الثاني انه ذو جَد وهو الحظ، ربما من الجمال، وقد أحرق قلبه (وَيَّاهْ) أي (وَجَّاه) العامية. وفي الشطر الثالث المدور مع الرباط، يقول (نَظْرَة وِبْتِسَامَة اوْبَعَد (وَيَّاهْ) كَلام اوْمَوْعِد اوْمَلْگَهَ سِوِيَّهْ). فكلمة نظرة وابتسامة كلاهما مؤنث، وكان على الشاعر ان يقول (ويَّاهَا) أي معها او (ويّاهِن) أي معهن. فاستعمل ضمير المفرد المذكر الظاهر في الجناس عائدا على أسماء مؤنثة، ونحن لا نقول في العامية (نِظَمِتْ قَصِيْدَة وَيَّاه بَيْت دَارمي) ولا (نِظَمِتْ بَيْت دَارمي ويَّاهَا قَصِيْدَة), وإنما نقول (نِظَمِتْ قَصِيْدَة وَيَّاها بَيْت دَارمي) او (نِظَمِتْ بَيْت دَارمي ويَّاه قَصِيْدَة). وربما أراد الشاعر الإشارة إلى الحبيب بهذا الضمير، أي (وَيَّا الحبيب) وتعني مع الحبيب، لكنه بعيد وليس في البيت ما يدل عليه دلالة واضحة، فالأولى إسناد الضمائر إلى اقرب الأسماء الظاهرة. وفي الشطر الأول جمع بين (يَدْعَي يَشَهْل الْعَيْن) وهما صفتان مختلفتان، فالأدعج لون عيونه أسود والأشهل لون عيونه قريب من الأصفر.
وعلى ذكر الإلتفات في البيت الأسبق نذكر بيت الشاعر جدوع المياحي الذي يلتفت من (الخطاب إلى الغيبة) ثم من (الغيبة إلى الخطاب) حين يقول هذا البيت الذي أرسله إلى الخطيب الشيخ سلمان الأنباري:
عَلَيَّه إزْيَارْتَك يَا تَرِف سـِنَّه
إو يِشْبَه لِيْلُو الْمَنْظُوْم سِـنَّه
شِحَن مَرْكب غَرَامَه إبَّحَر سَــنَّه
تِشَظَّه أحَّاه مِن فْرَگَاك الْيَّه
فبعد ان يخاطب الحبيب في الشطر الأول ويقول علي زيارتك (سُنَّة) التزم بها، يعود في الشطر الثاني ليتحدث عن شخص غائب وطبعا هو نفس الحبيب الأول فيصف (سِـنَّهُ) كأنه اللؤلؤ المنظوم. وفي الشطر الثالث يستمر في حديثه مع الغائب فيقول (شِحَن مَرْكب غَرَامَهْ) ليعود في الرباط لخطابه حين يقول (مِن فْرَگَاك إليه). وهذا يسمى الإلتفات في علم المعاني. كقوله تعالى (مالك) يوم الدين، (إياكَ نعبدُ وإياكَ نستعين) في الإلتفات من (الغيبة إلى الخطاب). وقول ربيعة بن مقروم:
بانَت سُعادُ فَأَمسى القَلبُ مَعمودا وَأَخلَفَتكَ إبنَةُ الحُرِّ المَواعِيدا
فالتَفَت من خطاب الغائب (فأمسى القَلبُ) حيث كان يتحدث عن قلبه، إلى خطابه (وَاخلَفَتكَ) حيث لم يقل وأخلفَتْه.
والإلتفات من محاسن الكلام ووجه حسنه على ما ذكر الزمخشري حيث قال: هو ان الكلام إذا نُقِل من إسلوب إلى إسلوب كان ذلك أحسن نظرية لنشاط السامع وأكثر إيقاظا للاصغاء إليه كما، في سورة الفاتحة (الحمدُ للهِ ربِ العالمينَ الرحمنِ الرحيمِ مالكِ يومِ الدينِ إياك نعبدُ وإياكَ نستعين) حيث ينتقل فيها من خطاب الغائب إلى المخاطب. وله ما يبرره من تعظيم الخالق تعالى ووجوب عبادته والاستعانة به. وكما في قوله تعالى (ولو إنهم إذ ظلموا أنفسهم (جاءوك) فاستغفروا الله واستغفر لهم (الرسول)، ولم يقل واستغفرت لهم وعدل عنه إلى طريق الإلتفات تفخيما لشأن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
وأرى ان هذا الإسلوب معقد وبعيد عن فهم كثير من الناس لأنه غير مستعمل في اللهجة العامية اليومية وليس فيه تلك الفائدة المرجوة من فوائد الإلتفات في الفصيح. هذا إذا كان هذا البيت متضمنا الإلتفات على جهة القصد وليس على جهة المصادفة او الخطأ في النقل، حيث يمكن ان يكون الرباط (تِشَظَّه احَّاه مِن فْرَگَاه إليه) ولا يكون فيه إلتفات. أما الأنباري فقد أجابه ببيت كله في المخاطبة:
إلْغَيْرَك مَا سَنَه جِدْمِي وِلَك سَن
فَرِض وَاجِب عَلَي وَصْلَك وِلَـك سَن
إمْنَ الْعِنَّاب إلَك شِفَّه وِلَك سِن
بَرَد يِخْسَه الْبَرَد مَا هُو جِدِيَّه
والبيت ينسب أيضا للشيخ خزعل أمير المحمرة.
وفي محاولات إقحام أبيات الفصيح في الإبوذية يبدو بعض الشعراء غير مدركين لمعانيها فيوردونها بشكل مختلف عن الأصل كما في قول الشاعر:
إبْهَوَى قَيْس ابْتَلَيْت اوْعَلَي حَتَّـه
سَگيْم اوْلا بَرَالِي عَظُم حَتَّه
أعَلْمَنَّه الْنَّظُم وِالْرَمِي حَتَّه
إيْصِيْر اوْيِرْمِي أوَّل سَهَم بِيَّه
وهو يجاري قول الشاعر مالك بن فهم الأزدي:
أُعَلِّمُه الرمايَة كُلَّ يَومٍ وَكَم علمتُه نظمَ القوافي
فَلَمّا اشتدَّ ساعِدهُ رَماني فَلما قالَ قافيةً هجاني
فشاعر القريض علّم صاحبَه الرمايةَ، فلما تمكن منها واشتد ساعدُه رمى الشاعر. ولما علمَه نظم القوافي وأصبح شاعرا هجا الشاعر الذي علمَه ذلك. والشاعر يتحدث عن نكران الجميل.
ولكن شاعر الإبوذية يقول في الشطر الثالث (اعَلْمَنَّه الْنَّظُم وِالْرَمِي حَتَّهْ) وهو مدور مع كلمة (إيْصِيْر) في بداية الرباط، ولم يقل لنا حتى يصير ماذا؟. واستعمل كلمة (حتى) في الجناس وليس (وَلمَّا) التي ذكرها الفصيح. والفرق واضح بينهما. فكلمة (فلما) تعني إلى ان أصبح، أي ان الشاعر تفاجأ بذلك. بينما (حتى) العامية تعني لكي. فكأن شاعر الإبوذية علم صاحبَه الرماية لكي يقوم المتعلم برميه. وهذا أول ما يتبادر إلى الذهن، ولكن بعد التعمق يمكن ان نجد معنى آخر، وهو كأن الشاعر يقول لنا عن صاحبه في صيغة سؤال استنكاري: أاُعلمُه الرماية حتى يرميني؟. هو ما أراده الشاعر ولكنه بعيد عن الادراك وسياق الجمل لا يدل عليه بوضوح.
ولكلمة (حتى) استعمالات كثيرة في الفصيح حتى قال عنها الفراء أموت وفي قلبي شيء من حتى. ومنها انها تفيد السببية مثل كي وتفيد النهاية والابتداء وهي حرف نصب وحرف جر.
ولا تأتي حتى في العامية بمعنى (فلما) وانما بمعنى إلى أنْ، كما في (إصْبَرت حَتَّى الْصَّبِر يَا صَاح عَيَّ) غالبا لان (فلما) تحتاج إلى جواب او تتمة لإكمال الجملة. او سببية مثل (أقرى حتى أنجح) او بمعنى العطف مثل (حَتَّى الْسِّمَچ بِالْمَاي يِبْجِي اعْلَى حَالِيْ) أو التعجب (حتى إنته!) وأمور أخرى مشابهة لاستعمالاتها الفصيحة.
وشاعر الإبوذية يجمع النظم والرماية سوية في شطر البيت الثالث ولكنه لا يفصل بينهما في رباط البيت إذ يكتفي بذكر الرماية ولا يتطرق إلى الهجاء، بينما يفصل شاعر القريض ذلك.
وقد نتفق جميعا مع الأستاذ عامر السامرائي في اعتباره بعض الأبيات والقصائد عامية لا شعبية اعتمادا على نوعية كلماتها وإسلوبها في الوصول إلى المعنى ونحن نطالع هذا البيت للشاعر حمودي قوزي:
أبَت إنْفُوْسِنَا تِخْضَع لَجَنْبِي
إوْعِدْنَا الْيِخْضَع الْخَصْمَه لَجَنْبِـي
إنْچَان إتْرِيْد عِز إگعِد لَجَنْبِـي
إنْدَافِع عَن مَوَاطِنَّا سِوِيَّه
ففي الشطر الأول استخدم الشاعر أربعة كلمات فصيحة شوه منها اثنتين بسبب الوزن والجناس هما (انْفُوْسِنَا) و(لَجَنْبِيْ). فلو قال نُفُوْسَنَا الفصيحة او(انْفُوْسْـنَا) العامية التي فيها حرف السين ساكن، لخرج عن الوزن. ولو قال (لأجنبي) الفصيحة لخرج أيضا على الوزن وعن معنى الجناس. وكذلك لو قال (لَژْنَبِيْ) او (لَژْنُوْبِيْ) العامية. وبقيت لديه كلمتان فصيحتان هما أبت وتخضع، كما تلفظان في الفصيح، فجاء الشطر كله ثقيلا ومشوها لا هو فصيح ولا هو عامي. لا بل ان إمعان الشاعر في التعامل مع المفردات الفصيحة وكأنها عامية أبعد المعنى عن الذهن كما أبعد الشطر عن معنى الفصاحة في الفصيح والعامي، لكون هذه المفردات التي استحدثها الشاعر بعد تشويه الكلمات الفصيحة غير مستعملة في لهجتنا العامية اليومية التي نتحدث بها إلى بعضنا.
وفي الشطر الثاني يقول ان الذي يخضع لخصمه نعتبره مجنونا (لَجَنْبِـيْ) في الجناس. فيستعمل لام التوكيد قبل مقطع عامي وهو (جَنْبِـيْ) أي (جِن بِيْه) او مجنون كما يقول، وهو استخدام غير معروف في العامية ايضا. إضافة إلى خروجه على المعنى حين يصف الذي يخضع للأجنبي بأنه مجنون. والخاضع للأجنبي لا يقال عنه مجنون، بل يقال عنه خائن وجبان وما إلى ذلك من ألقاب يستحقها الخونة والخاضعون. وفي الشطر الثالث يقول اگعِد (لَجَنْبِـيْ) وهو يريد إجلس بجنبي فعدّى الفعل إگعِد بحرف الجر وهو اللام، وهو إسلوب غريب عن العامية أيضا، إذ نقول (إگعِد بجانبي او اگعد يمّي) المشهورة عاميا. والشاعر يريد تعال نتعاون ونتكاتف ضد الأجنبي، لكن هذا التركيب (اگعِد لَجَنْبِـيْ) لا يخدم مراده. ومثل هذه الأبيات والتي تحدثنا عن أشياء تشبهُهَا سابقا لا تضيف إلى الأدب الشعبي بقدر ما تفقد قائليها شيئا من شاعريتهم وتجعل منهم أمثلة في الخروج على المفردة الشعبية وعلى فصاحة الشاعر وحسن اختياره للمفردات.
ويورد كتاب النقد والبلاغة لمؤلفيه الأستاذ جمال الدين الآلوسي والأستاذ عبد الرضا صادق ما نصّهُ:
(الكلمة التي لا يفهمُهَا الناس فهما تاما لا أهمية لها، وما دامت لغة التخاطب او الكتابة غير مفهومة على الوجه الأكمل فانّها تظل دون أية فائدة. وإذا كان الأمر على هذا النحو فان مِن الواجب ان نولي الكلمات التي نستعملُها في دراسة مهمة او نقاش جدي أدق الانتباه).
وأقول ان الشعر الذي هو المعبر عن المشاعر والشعور هو الأولى بان يتَّبع هذه القاعدة قبل غيره مما يُكتب او يُنظم.
وفي مجاراة لبيت القريض التالي للسموأل وتوليد الجناس من كلماته:
سَلي إن جَهِلتِ الناسَ عَنّا وَعَنهُمُ
فَلَيسَ سَواءً عالِمٌ وَجَهولُ
يقول شاعر الإبوذية عبد الامير ميرزا:
حِمَلْت إمْنِ الْدَهَر جَفْوَه وَعَنَّه
إلْدَرَس مِن سِمَع حَسْرَاتِي وَعَنَّه
إن جَهَلْت الْنَّاس سَل عَنْهُم وَعَنَّه
إلْعَالِم وِالْجَهَل مَا هُم سِوِيَّه
فالتزام شاعر الإبوذية بإيراد مفردات بيت الفصيح أبعدته عن معاني المفردات العامية التي كان يريد إيصالها إلى المتلقي. فحينَ صاغ جناسه من الحرف (عن) وقع في أول الأخطاء وهو جناسه الأول (وَعَنَّهْ) وهو يقصد وعناء أي تعب، وكعراقي تتحدث بلهجتك العامية تعرف كم هي غريبة هذه الكلمة عما يريده الشاعر. وفي جناسه الثاني يقول ان (الْدَرَسْ) وهو الدارس ويقصد به الميت، عندما سمع حسراتي (وَعَنَّهْ) أي وعى لنا أي انتبه لنا او عاد حيا لنا. والشاعر لم يوافق بين الضمير المتصل بالاسم وهو ياء المتكلم المفرد في (حَسْرَاتِيْ) و (نا) ضمير المتكلمين في الفعل (وَعَنَّا) الذي يشير إلى الجمع. وكان عليه ان يقول (وعالي)، مثلما قال الشاعر حسين الكربلائي الذي سيأتي ذكره: (الدَّارس من سمَع صُوْتي وَعَاليْ). وربما أراد ان (حسراتي وعَّنَّه) أي جعلن الدارس واعيا، ولكن حرف العين غير مشدد في الجناس. وشاعر القريض يقول: سَلي ان جَهِلتِ الناسَ عنا وَعَنهُمُ، فأتى بجملة (إنْ جَهلتِ) إعتراضية يمكن حذفُها دون تأثير على معنى البيت. بينما يقول شاعر الإبوذية: إنْ جَهَلْت الْنَّاس سَل عَنْهُم وَعَنَّـا، وقد إستعمل المفردات الفصيحة، فجاء المعنى: إن لم تعرفْ الناس، فاسأل عنهم وعنا.
والفرق شاسع بين القولين، فشاعر الفصيح يطلب منها ان تسال الناس عنهم وعن غيرهم ليخبروها بمجدهم وعلمهم حيث لا يتساوى عالم وجهول. بينما المفهوم من قول الشعبي هو إذا جهلت الناس أي إذا لم تعرفهم، فاسأل عنهم وعنا. لان إسلوب الشاعر وهو يستخدم المفردات الفصيحة يوحي بذلك. إضافة إلى ان هذا الإسلوب غير متبع في العامية اليومية التي نتحدث بها، فنحن نقول (إذا متعرفنا إسأل الناس عنا) او (إسأل الناس عنا إذا متعرفنا). ولا نقول (إذا متعرف الناس إسأل عنا).
وهذا الإسلوب الذي يحتوي على اعتراض وتقديم وتأخير للمفردات لا يصح دائما في العامي، وان صح في الفصيح كما تحدث به شاعر البيت الفصيح السابق. أضف إلى ذلك خروج البيت عن وزن الإبوذية بسبب استعمال كلمات فصيحة. فالشطر الثالث جاء على بحر الرمل التام (فَاعِلاتُنْ فَاعِلاتُنْ فَاعِلاتُنْ). كما جاءت التفعيلة الأولى للرباط على وزن مفعولاتن بدلا من مَفَاْعِيْلُنْ. وقبلها كان الشطر الثاني على وزن (فَاعِلاتُنْ مَفَاْعِيْلُنْ فَاعِلاتُنْ).
والشاعر كاظم آل منظور يجاري هذا البيت:
يَقُولون أن الموت صَعب عَلَى الفَتَى مُفارقَة الأحباب والله أصعب
فيقول:
إهْجَرِت آنَا لِذِيْذ الْعَيْش بِالْمَار
إلَك يَلْلِي تِخَطْف أرْوَاح بِالْمَار
يِصَعَب مِن يِحِل الْمُوْت بِالْمَار
وَنَا إفْرَاگ الْوِلِف أصْعَب عَلَيَّه
فجناسه الأول (بِالْمَارْ) يقصد به المُر من الطعام او ظروف العيش وهو ضد لذيذ الذي جاء في نفس الشطر، وقد هجر الشاعر لذيذ العيش من أجل ذلك الجميل الذي يخطف أرواح العشاق بِالْمَار وهو مار بقربهم. والجناسان فيهما حرف الألف زائد. والمَار ليس المُر كما تلاحظ.
وانظر إلى جناسه الثالث فهو يأتي بكلمة (بالْمَارْ) ويقصد بها (بالمرء) الفصيحة أي الإنسان. ويمكن ان يقال عنها ما قيل عن أشباهها من المفردات الفصيحة المشوهة والتي لا معنى لها في العامي ولا في الفصيح.
وفي نهاية هذا النقاش والتحليل أود ان أشير إلى أننا وضعنا الخطوط العريضة لمبادئ عامة لنقد جناسات ومفردات أبيات الإبوذية وطرق ربطها ببعضها والتي يمكن تطبيقها على باقي فنون الشعر الشعبي. ولولا خشية الإطالة لتحدثنا عن أبيات أخرى عليها ملاحظات مشابهة أو مختلفة. ان هذه البداية المتواضعة، رغم انها لا تخلو من عيوب، تصلح ان تكون أساسا لبناء صرح شامخ من أساليب النقد والتحليل على أيدي الباحثين والمختصين بفنون النقد والبلاغة من المهتمين بالأدب الشعبي. ولمن يريد المزيد مراجعة المصادر التي أشرت إليها في هذا الموضوع.

*
دراسة غير مسبوقة


د. هاشم الفريجي
__________________
د . هاشم نعمة الفريجي
مشرف وناقد في المنتدى
رد باقتباس
   
رد


أدوات الموضوع
أنماط العرض

قواعد المشاركة
لا تستطيع كتابة مواضيع جديدة
لا تستطيع كتابة ردود جديدة
لا تستطيع إرفاق مرفقات في مشاركاتك
لا تستطيع تحرير مشاركاتك

رموز لغة HTML لا تعمل
الانتقال إلى

مواضيع مشابهه
الموضوع كاتب الموضوع الديوان ردود آخر مشاركة
الحسجه في الشعر الفصيح حاج فؤاد الرميثي سوالف مع الحاج فؤاد الرميثي 0 11/04/12 05 :30 05:30:23 PM
ما لا يصح دخوله على تفعيلات الأبوذية دكتور هاشم الفريجي النقد والدراسات 6 15/06/11 07 :04 07:04:42 AM
دعوة لكتابة الابوذيه باللغة الفصحى دكتور كاظم المعقلي الخواطر 28 31/12/08 01 :58 01:58:12 PM
دعوة لمسابقة القصيدة العلوية الفصحى دكتور كاظم المعقلي القصائد 26 19/10/08 03 :00 03:00:34 PM
المجارات في الابوذيه حافظ محسن العطار الابوذية 0 28/10/07 05 :08 05:08:36 PM


توقيت الديوان على GMT. الوقت الان.03 :47 03:47:37 PM.


بدعم من vBulletin الإصدار 3.6.4
جميع الحقوق محفوظة ©2000 - 2017,لدى مؤسسة Jelsoft المحدودة.
 

تصميم النادر